أحمد الزهراني

كتاب

كتاب السماع

كتابأحمد الزهراني

نسخة الكتاب

متاح للقراءة على الموقع فقط.

وكان من البدع الّتي نشأت في الأمّة بدعة التّصوّف، ولا يهمّنا في هذا الكتاب تناول نشأتها ولا بدايتها، إذ المهمّ الآن أنّ التصوّف أصبح حقيقةً ماثلة للعيان، له مدارسه وروّاده ومريدوه، وأنّ التّصوّف بكلّ أشكاله الغالية أو الّتي هي أقلّ منها هو أحد أنواع الانحراف الّذي نشأ في الأمّة بعد انقضاء عصر الصّحابة الكرام.

وسببه الأكبر هو التماس روّاده ومخترعيه الوصول إلى ما هو مرغوب فيه شرعاً من الحب والخوف والرغبة والرهبة من مصادر غير الكتاب والسّنّة، أي أنّ الأهداف والغايات الّتي نشأ من أجلها التّصوّف كانت أهدافاً نبيلة، وهي الزّهد في الدّنيا، ومقاومة الانغماس في ملذّاتها والانصراف إليها عن الآخرة.

لكنّهم التمسوا لذلك سبلاً من خارج المنهج الإسلامي، تأثّراً بطرائق بعض الدّيانات والمذاهب الّتي أسلم أصحابها ولم يتخلّصوا بالكليّة من أدران تلك الديانات الباطلة، بل ظنّوا أنّه يمكن لهم الاستفادة من بعض ما اعتقدوا فيه خيراً ولا ضرر فيه، وهو نفس الظنّ الّذي جعل عمر بن الخطّاب يأخذ بعض كتب أهل الكتاب ليستفيد منها، فنهاه النّبيّ e، فعن جابر بن عبدالله: أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم  بكتاب أصابه من بعض الكتب، قال: فغضب، وقال: امتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتّباعي».

ولعلّ من أبرز البدع والمحدثات الّتي كان التصوّف منشأها وسبب دخولها على المسلمين بدعة (السّماع).

والمقصود بالسّماع هنا هو سماع القصائد الملحّنة، وليس المقصود بها ما كان فيه تشويق للجنة، وتخويف من النّار، أو ما فيه أدب وإصلاح – فحسب -، بل زاد الأمر عندهم ليصل إلى سماع أيّ شيء إذا كان المستمع يأخذ منه عبرة، وهذا جرهم إلى سماع ما لا يجوز الاستماع إليه بالاتفاق.

ومع أنّ مسألة السّماع كانت من المسائل الفارقة بين منهج السّلف ومنهج المخالفين لهم إلى عهد قريب، إلاّ أنّنا في العصر الحاضر أمام فتنة عمياء عمّت وطمّت، إذ أصبح الاستماع للغناء المحرّم شرعاً والغناء الصّوفي البدعيِّ أمراً رائجاً تحت مسمّى (الأناشيد الإسلاميّة).

والأناشيد الإسلاميّة بوضعها الحالي لا تخلو - في الغالب الأغلب- من أحد حالين:

فإمّا هي من جنس الغناء الصّوفي البدعي، وإمّا هي من جنس غناء الفسّاق.