نسخة الكتاب
290 صفحة
متاح للقراءة على الموقع فقط.
فهذا كتابٌ رقَمت أوّلَ حروفِه قبلَ سنواتٍ عديدة، بعدَ أن حدَثت الفتنةُ المعروفةُ في مسائلِ الإيمان، وهي الفتنةُ الّتي ظُلِم فيها دعاةٌ سلفيّون، بل وعلماء كذلك، وكانَ من أكبر أسبابِها الجهلُ والعصبيّة، المنافيةُ للعلمِ والعدل، وهما ميزانُ الكلامِ في المخالِف، قال شيخُ الإسلام رحمه الله: «الكلامُ في الأعراضِ فيه حقٌّ لله تعالى، لما يتعلّقُ به من الولايةِ والعداوةِ، والحبِّ والبغضِ، وفيه حقٌّ للآدميّين أيضاً، ومعلومٌ أنّا إذا تكلّمنا فيمَن هو دونَ الصحابةِ مثلُ الملوكِ المختلفين على الملك، والعلماءِ والمشايخِ المختلفينَ في العلمِ والدّين، وَجَب أن يكون الكلامُ بعلمٍ وعدْلٍ، لا بجهلٍ وظُلم، فإنّ العدلَ واجبٌ لكلّ أحدٍ، على كلّ أحد، في كلّ حال، والظّلمُ محرّم مطلقاً، لا يباحُ قطّ بحال.
وقَد كانَ للعَصبيّة دورٌ كبيرٌ في إذْكاءِ نار الخِلاف، إذْ جاءَت هذِه المسائلُ كحلْقةٍ في سِلسلةِ النّزاعاتِ الّتي حَدَثت منذُ مُدّة، بيَن من تقلّد مذهبَ السّلفِ، وشدّ على المخالفين شِدّة آذتْهم، ونالَ ريحُها كثيراً من الفُضَلاءِ، وبينَ مخالفِيه ؛ الّذينَ كانَ منهُم ذَوُو فضلٍ سلفيون، لكنّهم لا يرتضونَ طريقتهَ، فلمّا حدثَ القولُ في مسائلِ الإيمان ؛ وتبَنّى مذهبَ السّلفِ بعضُ من يُحسبون على الفريق الأوّلِ ؛ تعصّب عليهم ثلّةٌ منَ المعارِضين، خصوصاً وأنّ المخالِفين لهم هم خصومٌ في مسائلَ منهجيّةٍ أصلاً، فزادَ البلاءُ، واتّسعَ الخَرقُ على الرّاقع، وغَدا الكلامُ في مسائلِ الإيمان ـ وعلى المنابِر ـ محمُولاً على مرَاكبِ العصبيّةِ الممقوتَة، حتّى أدّى الحالُ إلى ظلمِ الكثير من النّاس، والتّجنّي على الصّالحين، وذوي الفضلِ، وأهلِ العلم ؛ كبارِهم قبل صغارِهم، ولا حَولَ ولا قُوّة إلاّ بالله.
والمصيبةُ العُظْمى، والدّاهية الكُبْرى ؛ أنّك إذا حقّقتَ الخلافَ في تِلكَ المسائلِ الّتي حَدَث فيها الخلافُ ؛ وَجدتَها فَرعِيّة على الأُصول، فالأُصولُ متّفقٌ عليها بينَ الجميع، وإنّما عَظُمَ الكلامُ وجَسُمَ الخطْبُ علَيهم لِما في كُلّ قولٍ من من قوْلَي المختلِفِين مِن هدْمٍ لأصلٍ يراه في مسائلَ مَنهجيّة، تَتعلّق بالتّكفيرِ، والجهادِ، والدّعوة، ونحوها، فيُصبِح الخلافُ في الحقيقةِ ليسَ علميّاً ؛ بقدرِ ما هو خلافٌ في المنهجِ والاتّباع.
ولهذا كانَ الأمرُ عندَ السّلفيّينَ مُهِمّاً مِن هذا الجانِب، وكانَ عند الآخرين مهمّاً لأنّه يهدم أصولاً يبنونَ عليها دعواتِهم.
وممّا يحزّ في النّفوس ؛ أنّ طائفةً مِن فُضَلاء الفريقَينِ بالَغُوا في الخُصومَةِ حتّى خَرَج بهم الحالُ إلى مخالَفَةِ رَسْمِ الشّريعةِ في التّعاملِ معَ المخالفِ، ولو كانَ مبتدِعاً خالِصاً ؛ فضلاً عن أنْ يكونَ سلَفياً مُخطِئاً.




